الشيخ محمد رشيد رضا
298
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ، وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا قيل إن هذه الآية في المنافقين وهم الذين كانوا يذيعون بمسائل الأمن والخوف ونحوها مما ينبغي أن يترك لأهله ، وقيل هم ضعفاء المؤمنين ، وهما قولان فيمن سبق الحديث عنهم في الآيات التي قبلها ، وصرح ابن جرير بأنها في الطائفة التي كانت تبيت غير ما يقول لها الرسول أو تقول له . أقول ويجوز أن يكون الكلام في جمهور المسلمين من غير تعيين لعموم العبرة ، ومن خبر أحوال الناس يعلم أن الإذاعة بمثل أحوال الامن والخوف لا تكون من دأب المنافقين خاصة ، بل هي مما يلغط به أكثر الناس ، وانما تختلف النيات فالمنافق قد يذيع ما يذيعه لأجل الضرر ، وضعيف الايمان قد يذيع ما يرى فيه الشبهة ، استشفاء مما في صدره من الحكة ، واما غيرهما من عامة الناس فكثيرا ما يولعون بهذه الأمور لمحض الرغبة في ابتلاء أخبارها ، وكشف اسرارها ، أو لما عساه ينالهم منها فخوض العامة في السياسة وأمور الحرب والسلم ، والامن والخوف ، أمر معتاد وهو ضار جدا إذا شغلوا به عن عملهم ، ويكون ضرره أشد إذا وقفوا على أسرار ذلك وأذاعوا به ، وهم لا يستطيعون كتمان ما يعلمون ، ولا يعرفون كنه ضرر ما يقولون ، وأضره علم جواسيس العدوّ بأسرار أمتهم ، وما يكون وراء ذلك . ومثل أمر الخوف والامن سائر الأمور السياسية والشؤون العامة ، التي تختص بالخاصة دون العامة قال تعالى وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ اي إذا بلغهم خبر من أخبار سرية غازية أمنت من الأعداء بالظفر والغلبة أو خيف عليها منهم بظهورهم عليها بالفعل أو بالقوة ، أو إذا جاءهم أمر من أمور الأمن والخوف مطلقا سواء كان من ناحية السرايا التي تخرج إلى الحرب أو من ناحية المركز العام للسلطة ، أذاعوا به اي بثوه في الناس وأشاعوه بينهم . يقال أذاع الشيء وأذاع به ، قال أبو الأسود أذاع به في الناس حتى كأنه * بعلياء نار أوقدت بثقوب